الاثنين، 7 سبتمبر 2009

رمضان الصيف

يحكى أن أحد العمال الآسيويين عاد إلى بلاده فسأله أحدهم حول ما يحكى في بلدان الخليج عن الحرارة الشديدة وقد عاش في السلطنة سنوات طوال، يقول صاحبنا والعهدة على كفيله أن في عمان عشرة أشهر حر، فسألوه عن الشهرين الباقيين من السنة فرد فورا: واااجد حر.
وفيما أعلنتها فيروز عبر عمر من السنين بالقول "خلصت الشتوية" إلا أن شتويتنا ليس لها محل من الطقس، ونتساءل فقط إن كانت الصيفية انتهت أم أنها متمددة منذ الربع الأول من العام، ونحن على وشك الدخول في الربع الأخير منه، لكن الشواهد على الصيف حاضرة، فلا بركات رمضان نفعت للتقليل منه، لكننا نسأل في هذا وذاك العلي القدير أن يثيبنا خيرا على صبرنا، ونحتسب كل أمرنا على الله الرحيم الغفور.
قبل نحو ثلاثة عقود جربنا الصوم في ظرف صيفي له مناخاته المختلفة، ونواقصه الجالبة للتعب، فلا من سلاح معنا لمدافعة حرارته سوى (الملهبة) وجهاز التكييف ترف كبير، أما المروحة فمعدومة أصلا، وإن حظيت بعها بعض المنازل المشغّلة (لماكينة كهرباء) فإن هواءها كأنه خارج من سخّان، ودور أيادي المروحة دفع (الغربي) بكثافة أكبر إلى الوجوه.
وجرعة الماء البارد لها لذتها حيث تعجز (الجحال) عن الإيفاء بمتطلباتنا من مخزونها البارد، وحتى تلك القطع الثلجية التي يأتي بها بعض الباعة في قوالب يكسرونها حسب القدرة المالية لكل مشتر لا تصمد كثيرا أمام وهج الصيف..
بالرغم من كل ذلك جربنا الصوم ونحن في سن الطفولة، لم تكن هناك ثلاجة لنراوغ، أو أغذية أخرى كي نلجم بها شيطان الجوع المتربص بنا، كل ما يمكننا الحصول عليه حبة رطب تتدحرج في مياه الفلج أو (لمباة) كأن إبليس يرسلها إلينا صفراء تسر الناظرين، ومع ذلك كان التحدي أن نكون كبارا، والتربية الدينية جعلتنا نشعر بالملائكة الكتبة على يميننا وشمالنا وكأننا نراهم رؤيا العين، وهناك جهنم ترمي بشرر كالقصر..
بين أذاني صلاتي العصر والمغرب ساعات كأنها الزمن الطويل، ولا يحلو للغربي أن يتألق إلا في تلك الساعات فلا نجد ريقا يبلل حلوقنا، ويكاد الصوت ينعدم في الأفواه، والوجوه تقول ما لا يمكن قوله، إرهاقها بيّن، وملامحها ذابلة.
ورمضان هذا العام يحلّ ضيفا غاليا مع نهايات الأشهر الملتهبة للصيف، ويتقدم تدريجيا ليكون في شهري يوليو ويونيو خلال الأعوام المقبلة.
اختلفت مناخات رمضان الصيف الآن عن تلك التي كانت قبل السنوات الثلاثين، من جرّب الصوم حينئذ يدرك أي نعمة نعيشها حاليا..
جهاز التكييف (خاصة الملتصق بالجدار) يمنح بردا لذيذا لا تكاد تسمع له صوت، وكأنه ليس الصيف المتوهج خارج البيت..
ترغب في الذهاب للدوام، حسنا، هناك مكيف السيارة سيرافقك باردا وجميلا حتى تصل إلى مقر عملك..
هناك مكيف آخر يترقبك، تعمل الساعات الخمس (للحكوميين على وجه التحديد) وكأنك في شتاء جميل، تنقضي الساعات، ويحملك برد السيارة إلى برد البيت، ولتنام هانئا مطمئنا حتى يقترب موعد الهجوم على مائدة عامرة بنعم الله الواسعة، ستجد الماء البارد و(الشربات) الجميل واللقيمات مع العسل وما قيّضه الله لك من نعم تستوجب الشكر.
وأنت تتناول فطارك فكّر (كما يقول محمود درويش) بغيرك، هناك من لا يجد حتى الافطار، ومنهم لا في عمله لا يجد الجو العائلي الذي تعيشه، وأنت تنعم ببرودة التكييف هناك أخوة يعملون تحت ظروف الحرارة الشديدة، في شركات الصحراء أو في مواقع عمل مكشوفة، الا يستحقون دعاء منك أن يخفف الله على من لا يجد النعمة التي أنعم الله بها عليك؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق